لا تستطيع مصر أن تفتح طريقًا واقعيًا نحو سلام عادل بين اليمن والسعودية، يقوم على مطالبة اليمنيين بنسيان ما جرى، و لا على إبقاء السعودية تحت التهديد، بل على الاعتراف بالمسؤوليات ورد الحقوق وبناء ضمانات أمنية متبادلة.
فالتسوية المستدامة تبدأ بوقف شامل للحرب، ورفع القيود عن حركة الناس والسلع، وتعويض الضحايا وإعمار ما دمرته العمليات، ثم إطلاق حوار يمني شامل واتفاق جوار يحمي الحدود وحرية الملاحة في البحر الأحمر.
تستطيع مصر وفق لهذا المسار وقفًا متزامنًا للغارات والصواريخ والمسيّرات والهجمات البحرية تحت رقابة أممية، يتبعه فتح مطار صنعاء وموانئ الحديدة، وضمان تدفق الغذاء والوقود والدواء، وصرف الرواتب واستئناف الصادرات.
كما يتطلب صندوقًا مستقلًا للتعويض والإعمار تموله الأطراف المسؤولة والدول التي دعمت الحرب، واتفاقًا أمنيًا يحترم سيادة اليمن ويلزم الجانب اليمني بعدم استهداف السعودية، إلى جانب حوار يمني شامل وميثاق إقليمي لحماية الملاحة. ويمكن لمصر، بالشراكة مع عُمان وتحت رعاية الأمم المتحدة، جمع الأطراف وتحويل هذه المبادئ إلى اتفاق ملزم ينهي الحرب ويؤسس لجوار آمن.
دخل التحالف بقيادة السعودية الحرب في مارس 2015، بطلب الحكومة المعترف بها دوليًا، ثم امتدت عملياته سنوات.
تعرضت صنعاء وصعدة والحديدة ومحافظات أخرى لغارات متواصلة، أصابت منازل ومستشفيات ومدارس ومنشآت مدنية.
ووثقت منظمات حقوقية هجمات غير قانونية، وقيودًا على وصول الغذاء والوقود والمساعدات إلى السكان. “منظمة العفو الدولية” (https://www.amnesty.org/en/latest/news/2018/08/yemen-scathing-un-report-underscores-need-for-arms-embargo/)، “هيومن رايتس ووتش” (https://www.hrw.org/news/2017/12/07/yemen-coalition-blockade-imperils-civilians)
وقدّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ضحايا الحرب بنحو 377 ألف وفاة مباشرة وغير مباشرة حتى نهاية 2021.
وكان نحو 60% منهم ضحايا للجوع والمرض وانهيار الخدمات المرتبط بالحرب. “برنامج الأمم المتحدة الإنمائي” (https://www.undp.org/publications/assessing-impact-war-yemen-pathways-recovery)
ولا توجد حصيلة دولية شاملة محدثة، لكن المؤكد أن اليمن دفع ثمنًا بشريًا واقتصاديًا بالغ القسوة.
كما زودت دول غربية التحالف بالأسلحة والدعم، رغم تزايد الأدلة على سقوط مدنيين وتدمير منشآت حيوية.
لا يمكن اعتبار تلك الخسائر أثرًا جانبيًا انتهى بانتهاء الغارات، ثم مطالبة اليمنيين بفتح صفحة جديدة دون إنصاف.
في المقابل، طورت جماعة أنصار الله قدراتها العسكرية، ونفذت هجمات داخل السعودية وضد سفن في البحر الأحمر.
واستهداف المدنيين أو السفن التجارية لا يصبح مشروعًا بسبب مظالم الماضي، مهما كانت تلك المظالم ثقيلة.
لكن الاعتراف بأخطاء أنصار الله لا يمحو مسؤولية من بدأ التدخل العسكري وامتلك التفوق الجوي طوال سنوات.
فالحياد الحقيقي لا يوزع اللوم بالتساوي، بل يزن المسؤوليات وفق الزمن والحجم والقدرة والنتائج.
وقف النار قبل البحث عن المنتصر
الخطوة الأولى هي وقف شامل ومتزامن للغارات والصواريخ والمسيّرات والعمليات البرية والهجمات البحرية.
ويخضع الاتفاق لمراقبة أممية، مع آلية تحقيق فورية ومستقلة في أي خرق يحدث من الطرفين.
لا ينبغي تحويل الهدنة إلى فرصة لإعادة التسليح، أو ترتيب الصفوف استعدادًا لجولة جديدة.
رفع القيود واستعادة الحياة
يجب فتح مطار صنعاء وموانئ الحديدة أمام الحركة المدنية والتجارية الطبيعية، بضمانات رقابية دولية متفق عليها.
كما تُرفع القيود التي تعطل دخول الوقود والغذاء والدواء ومواد البناء إلى جميع المناطق اليمنية.
ويجب صرف رواتب الموظفين، وتسوية عائدات الموانئ والطاقة، ومنع استخدام الاقتصاد سلاحًا ضد السكان.
وقد تضمنت خريطة السلام الأممية سابقًا وقفًا شاملًا، ودفع الرواتب، واستئناف الصادرات، وفتح الطرق. “المبعوث الأممي إلى اليمن” (https://osesgy.unmissions.org/update-efforts-secure-un-roadmap-end-war-yemen)
تعويض مستحق لا منحة سياسية
السلام العادل يحتاج صندوقًا مستقلًا لتعويض المتضررين وإعمار ما دمرته الحرب، وليس مجرد مساعدات مشروطة.
وتتحمل السعودية ودول التحالف النصيب الأكبر، مع مساهمة الدول والشركات التي زودت العمليات بالأسلحة.
تُشكل لجنة مستقلة لحصر المنازل والمستشفيات والمدارس والمصانع والموانئ والطرق التي دمرتها الحرب.
وتُصرف تعويضات مباشرة لأسر القتلى والمصابين وذوي الإعاقات، بعيدًا عن المحاصصة السياسية والفساد.
كما يمول الصندوق إعادة الكهرباء والمياه والمستشفيات والموانئ، وخلق فرص عمل للشباب اليمني.
التعويض ليس إذلالًا للسعودية، ولا ثمنًا لسكوت اليمن، وإنما جسر ضروري لاستعادة الثقة.
اتفاق جوار وأمن متبادل
تتعهد السعودية باحترام سيادة اليمن، وعدم التدخل العسكري، أو فرض مناطق نفوذ، أو استخدام الاقتصاد للعقاب الجماعي.
ويتعهّد الجانب اليمني بعدم مهاجمة الأراضي السعودية، أو استهداف منشآتها، أو تحويل الحدود إلى جبهة دائمة.
وتُنشأ لجنة حدودية مشتركة لمعالجة التسلل والتهريب والمياه والمراعي وقضايا السكان في المناطق الحدودية.
الأمن لا يتحقق بالقصف، وإنما بجار مستقر لا يشعر بالإهانة، ولا يجد في الحرب طريقًا لاستعادة حقوقه.
اليمن لليمنيين
الاتفاق السعودي–اليمني لا يغني عن حوار يمني شامل يحدد مستقبل الدولة وشكل الحكم وتقاسم الموارد.
ويشارك فيه أنصار الله والحكومة والقوى الجنوبية والقبائل والأحزاب والنساء وممثلو المجتمع المدني والضحايا.
لا يحق لأي دولة خارجية اختيار حكام اليمن أو رسم خريطته أو توزيع ثرواته بين حلفائها.
وفي المقابل، لا يحق لأي قوة يمنية احتكار الدولة أو إقصاء خصومها بقوة السلاح.
ميثاق لحماية البحر الأحمر
يحتاج السلام إلى ميثاق إقليمي يمنع استهداف السفن التجارية، ويضمن حرية الملاحة في باب المندب.
وفي المقابل، لا يجوز استخدام حماية الملاحة ذريعةً لقصف اليمن أو فرض حصار جديد على سكانه.
أمن قناة السويس يبدأ من سلام اليمن، وليس من تحويل البحر الأحمر إلى ساحة للأساطيل والصواريخ.
مصر وسيط للسلام لا طرف في حرب جديدة
تستطيع مصر الدعوة إلى مؤتمر للسلام، بالشراكة مع عُمان وتحت رعاية الأمم المتحدة.
تملك عُمان قنوات مباشرة مع أنصار الله، بينما تملك مصر ثقة السعودية وثقلًا عربيًا ومصلحة بحرية واضحة.
ويجمع المؤتمر السعودية وأنصار الله والحكومة اليمنية والقوى الجنوبية، مع حضور ممثلين حقيقيين للضحايا.
تكون مهمته صياغة اتفاق ملزم للتهدئة والتعويض والإعمار وأمن الحدود وحرية الملاحة.
لا يحتاج اليمن تحالفًا جديدًا يضربه، ولا تحتاج السعودية حربًا تستنزفها وتورث أبناءها عداوة طويلة.
المنطقة تحتاج شجاعة الاعتراف بالمظالم، وشجاعة وقف الانتقام، وحكمة تحويل الجوار من ساحة حرب إلى شراكة. فالسلام الذي يتجاهل الضحايا هدنة مؤقتة، والسلام المبني على العدل وحده يستطيع إغلاق أبواب الثأر















